كل ما تريده إسرائيل


برقية حسين أوباما الجوابية عن رسالة الملك محمد السادس السابقة، التي أثار فيها مشكلة تهويد القدس، تحمل في طياتها رسائل مشفرة متعددة التأويلات.

فالرئيس الأمريكي يضع شرطا ضروريا لتقدم عملية السلام في الشرق الأوسط من الجانب الإسرائيلي، وهذا الشرط هو «توقيف المستوطنات وتفكيك المواقع المتقدمة ورفع الحواجز».

بالنسبة إلى الطرف الإسرائيلي، فالجواب لا يمكن أن يكون أكثر وضوحا مما قاله «نتانياهو» الأسبوع الماضي، وهو أن أي حلم بتوقيف المستوطنات هو محض وهم، يعني أن المستوطنات ستستمر رغم أنف أوباما. والدليل على ذلك أن «نتانياهو» لم يكتف بالتعهد ببقاء المستوطنات، بل أعطى أوامره ببناء 1450 مستوطنة جديدة، بينما الحبر الذي كتب به أوباما رسالته إلى ملك المغرب لم يجف بعد.

وفي الوقت الذي يقول فيه أوباما في رسالته إنه عبر في القاهرة عن رغبته في العمل «من أجل «انطلاقة جديدة» بين الولايات المتحدة الأمريكية والمسلمين في كافة أنحاء العالم»، نسمع تصريحا خطيرا لنائبه «جو بايدن»، ساعات على إرسال البيت الأبيض لبرقيته إلى ملك المغرب، يقول فيه إن إسرائيل «لها مطلق الحرية في أن تفعل ما تراه في التعامل مع إيران، وإن واشنطن لن تقف في طريق إسرائيل إذا رأت هذه الأخيرة أن هناك حاجة إلى عمل عسكري من أجل إزالة التهديد النووي الإيراني».

طيب، إذا فهمنا جيدا رسالة نائب الرئيس، فالولايات المتحدة الأمريكية تعطي موافقتها لكي تضرب إسرائيل المنشآت النووية الإيرانية، في تناقض صارخ مع ما قاله أوباما في رسالته حول سعي البيت الأبيض نحو «انطلاقة جديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمسلمين في كافة أنحاء العالم»، وكأن إيران التي تستعد إسرائيل لتدميرها دولة مجوسية وليست إسلامية تنتمي إلى العالم الإسلامي. اللهم إذا كان أوباما يقصد بـ«الانطلاقة الجديدة» وضع خريطة جديدة للعالم الإسلامي يحذف منها دولة إسلامية بحجم إيران. فالتحركات الأخيرة للجيش الإسرائيلي وغواصاته تنذر بصيف

حار، خصوصا بعدما كشفت صحيفة «الصانداي تايمز» أن العربية السعودية أعطت موافقتها للحكومة الإسرائيلية على أن تحلق طائراتها الحربية فوق أجوائها إذا ما أرادت ضرب المنشآت النووية الإيرانية. فيبدو أن الملك عبد الله خائف على بلاده من القنبلة النووية التي لم تعلن إيران امتلاكها بعد، فيما ينام مرتاح البال بجانب إسرائيل التي لديها رؤوس نووية جاهزة تُعدُّ بالعشرات.

الصحافة الإسرائيلية، وخصوصا صحيفة «جوروزاليم بوست»، رأت في رسالة أوباما محاولة للضغط على المغرب لصالح تطبيع كامل وشامل للعالم العربي والإسلامي مع إسرائيل. وهذا، طبعا، مناقض لما قاله نائب الرئيس الأمريكي عندما صرح قائلا: «الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع أن تحدد للدول الأخرى ذات السيادة ما الذي يمكن أو لا يمكن أن تفعله». يبدو أن الرئيس الأمريكي ونائبه لديهما تصوران مختلفان لما تستطيع أن تفعله الولايات المتحدة ولما لا تستطيع فعله. ففي الوقت الذي يقول فيه نائب الرئيس أن أمريكا لا تستطيع أن تملي على الدول ذات السيادة ما يجب فعله، نقرأ في رسالة الرئيس أوباما إلى ملك المغرب لائحة من

الإملاءات التي تبدأ بمطالبة المغرب بلعب دور الوسيط بين إسرائيل والعالم العربي، وإخراج إسرائيل من عزلتها والتطبيع الكامل معها، في ربط غير لائق بين هذا المطلب وقضية الصحراء المغربية التي سماها أوباما في رسالته بـ«الصحراء الغربية»، وكأن الرئيس الأمريكي نسي أن المغرب دولة ذات سيادة يرجع تاريخ تأسيسها إلى 12 قرنا، وأن ملكا اسمه محمد بن عبد الله كان أول من اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1777.

وكم كان غريبا أن الرئيس الأمريكي، الذي لا يتعب من العزف على مزامير السلام حيثما ذهب، ظل محافظا على برودة أعصابه الدبلوماسية ولم يصدر عنه أي رد فعل إزاء التهديدات الصريحة بعودة البوليساريو إلى حمل السلاح في وجه المغرب، أسبوعا واحدا قبل كتابته لرسالته. وليس الرئيس الأمريكي وحده من حافظ على لسانه داخل فمه في هذه القضية، بل مجلس الأمن نفسه التزم الصمت، فيبدو أنه لا يجيد شيئا آخر في ملف الصحراء سوى مطالبة المغرب باحترام حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

لقد نسي أوباما، وهو يطلب من ملك المغرب أن يقوم بدور المصالحة بين العالم العربي وإسرائيل، أن إسرائيل التي يحملها في قلبه لا تريد أن تمد يدها إلى أحد، لأنها ماضية، بفضل وزيرها في الخارجية «ليبرمان» الذي طالب وزير الدفاع خلال المحرقة الإسرائيلية الأخيرة بإلقاء قنبلة نووية على غزة، وجميع أعضاء حكومة «بنيامين نتانياهو» المتطرفة، في تهويد القدس وطرد كل مواطن غير يهودي من فوق أرض فلسطين المحتلة. كما يبدو أن أوباما نسي، وهو يخط رسالته بيده اليسرى، أن أعمال الحفر التي تقوم بها إسرائيل تهدد حي المغاربة في القدس بالانهيار، وهي القضية المحورية في الرسالة التي وجهها ملك المغرب إلى أوباما، فتناساها وفضل إثارة مواضيع أخرى تصب في مصلحة إسرائيل في جوابه عنها.

وهنا نفهم حجم الضغوطات التي تمارسها إسرائيل لكي لا يتولى أي عربي أو مسلم منصب الأمين العام لمنظمة اليونسكو، حتى يتم استكمال أعمال الحفر تحت حي المغاربة بدون أي احتجاج من طرف اليونسكو التي تصنف تلك الأمكنة ضمن التراث العالمي للإنسانية. قد يقول قائل إن المغرب من مصلحته أن يقبل بالمطالب الأمريكية، خدمة لقضيتنا الوطنية التي ظلت تلجم طموح المغرب لعقود طويلة. ففي السياسة العالمية ليست هناك هدايا، وإنما هناك مصالح متبادلة، أي «وقف معايا فهادي نوقف معاك فهاديك».

لكن المتأمل في مسار الموقف الأمريكي من قضية الصحراء المغربية يكتشف جمودا واضحا عند الأمريكيين. وكل ما وجده أوباما لكي يقوله في رسالته إلى الملك حول الصحراء المغربية هو متمنياته بأن «يتمكن كريستوفر روس الدبلوماسي المحنك من تعزيز حوار بناء بين الأطراف». وطبعا، هذا هو ما يسميه المغاربة «الكلام الساكت» أي «ما يقتلك ما يحييك».

وعندما نتأمل لائحة الالتزامات التي أملتها الحكومة الأمريكية، سواء منها السابقة أو الحالية، على المغرب نجد أن الأخير تصرف كتلميذ نجيب. ومع ذلك يطالبنا أوباما بالاعتراف بإسرائيل التي تقصف جيرانها وتحتل أراضيهم، بينما يرفض الاعتراف للمغرب بحقه على صحرائه التي كانت عبر التاريخ ضمن أراضيه.

والمغرب التزم مع أمريكا على مستوى اتفاقية التبادل الحر رغم أن الاتفاقية في صالح أمريكا وحدها، والتزم بمشروع حوار الأديان، والتزم أيام الجنرال العنيكري بمشروع ما يسمى بمحاربة الإرهاب إلى درجة أنه حول المغرب، في نظر العالم، إلى أكبر مصنع للإرهابيين، وقبل أن يستقبل معتقلين سريين على أراضيه، وانخرط في مشروع محاربة نفي المحرقة اليهودية، وقبل بمشروع إعادة إصلاح الحقل الديني، حتى إن وزير الأوقاف وظف أمريكيا عنده، وقبل بإعادة ترتيب البيت الداخلي لدار الحديث

الحسنية، وسارع إلى إرسال المرشدات الدينيات إلى أمريكا للتكوين، وقطع العلاقات مع إيران وفنيزويلا، وقبل تدخل وكالة التنمية الأمريكية في تمويل مشروع التوعية حول منح الكوطا للنساء في الانتخابات، وزيد وزيد... وكل هذا لكي يأتي أوباما في الأخير ويقول لنا إن أقصى ما يمكنه فعله من أجل قضية الصحراء هو أن يتمنى التوفيق لمبعوثه، عفوا مبعوث الأمم المتحدة، كريستوفر روس، في تعزيز الحوار بين الأطراف في قضية «الصحراء الغربية».

الرسالة واضحة، إذن، ولا حاجة إلى مطالبة أوباما بالمزيد من الشرح. هناك من يريد لقضية الصحراء أن تظل دائما عالقة لكي يتم استعمالها كفزاعة لابتزاز المغرب والحصول على أقصى ما تريده إسرائيل من هذا العالم العربي المتهالك. وكما يقول سادتنا الأوائل «إذا ظهر المعنى فلا فائدة في التكرار».

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى