هل تصبح الحرب على الإرهاب آخر حروب أمريكا؟

تحلق الأمريكيون هذا الأسبوع على المائدة التقليدية لعيد الشكر أن استطاعوا لذلك سبيلا بعد أن حرمت البطالة المزمنة أكثر من أربعين مليون أمريكي
من القدرة على شراء الديك الرومي وتوابعه التي تؤثث مائدة عيد الشكر التقليدية.
وإذا كان جو الاكتئاب العام ليس كافيا جاءت إجراءات وزارة الأمن الداخلي في بعض المطارات وعشية أكثر أيام السنة ازدحاما بالمسافرين لتنغص حياتهم أكثر ولاستبعاد الساسة والسياسيين من قائمة الشكر، هذا العام على الأقل.
عبقرية القائمين على أمن المطارات أعادت الحياة لآلات المسح الضوئي التي جربت ورفضت في مطار هيثرو اللندني لنشرها في كبريات المطارات الأمريكية والتي تظهر جسم المسافر بكل تفاصيله الحميمية وغير الحميمية.
رفض المسافر لهذا الانتهاك الفاضح لخصوصيته أمام الغرباء من عملاء أمن المطارات يجد بديلا آخر لا يقل اهانة هذه المرة عن طريق تفتيش لا يقل حميمية بأيدي الموظف،  أو الموظفة التي تلامس جميع المناطق الحساسة وغير الحساسة من جسم المسافر.
الإجراءات الجديدة أدت إلى شبه انتفاضة بين المواطنين المسافرين إلى درجة تنظيم حملة مقاطعة واسعة النطاق، تحديا لما يعتبرونه انتهاكا غير مقبول لخصوصيتهم ومجالهم الخاص.
المفارقة أن هذه الإجراءات الجديدة جاءت من حكومة تنتمي لحزب ديمقراطي كثيرا ما عاب على الحكومة الجمهورية السابقة مبالغتها في ردود الفعل إزاء الإرهاب لدرجة توظيفه كأداة انتخابية فعالة وأداة لتبرير الكثير من القوانين التي قلمت حريات المواطنين الامريكيين.
المواطنون الأمريكيون الذين كانوا على استعداد لدفع جزء من ثمن حرياتهم وخصوصيتهم مقابل شعور بالأمن والاطمئنان خاصة بعد السنوات التي أعقبت الحادي عشر من شتنبر غيروا رأيهم نسبيا على ما يبدو بعد أن انفضحت أساليب حكومة جورج بوش المكيافيلية وأيضا لأن ذلك الخطر الداهم لم يتحقق بعد.
جهات أخرى أعربت عن غضبها الشديد لأن مايكل شيرتوف، وزير الأمن الداخلي السابق في حكومة جورج بوش، يعمل الآن مستشارا للشركة المصنعة للآلات الجديدة، مما يحمل على الاعتقاد بأن هناك تضاربا في المصالح وربما يدفع المواطنون العاديون ثمن صفقات يعقدها علية القوم على حسابهم.
وزيرة الأمن الداخلي الحالية تجادل بأن الآلات الجديدة ضرورية بعد المحاولة الفاشلة للنيجيري فاروق عبد المطلب الذي حاول تفجير طائرة أقلته من أمستردام إلى ديترويت قبل حوالي عام بعد أن نجح في إدخال المتفجرات للطائرة مخبأة في ملابسه الداخلية.
لكن الغريب أن الوزارة المعنية وحتى بعد نشرها آلات تسلط أشعتها على الأجهزة التناسلية للمسافرين من الذكور والإناث لا تستطيع التأكيد حتى الآن على أن وجود آلات شبيهة العام الماضي كانت ستحول دون امتطاء عبد المطلب طائرته في أمستردام.
وفي انقلاب مثير للأدوار تجند الجمهوريون للهجوم على الحكومة الديموقراطية بسبب إجراءاتها الجديدة على الرغم من دورهم المشين في مباركة ما هو أسوأ خلال ثمان سنوات كاملة من حكم زعيمهم جورج بوش.
الجمهوريون تخلوا ولو مؤقتا عن «استماتتهم» في حماية الوطن والمواطنين للدفاع عن خصوصية المواطنين تجاه إجراءات لا تفرق بين المشتبه فيهم والجدات المتوجهات للاحتفال بعيد الشكر مع أحفادهن.
الديمقراطيون من جهتهم تخلوا لأسباب سياسية، على ما يبدو عن استماتتهم المبدئية في الدفاع عن الحقوق المدنية للمواطنين، بما فيها خصوصيتهم، لأن الحكومة التي أقدمت على الخطوة المثيرة للجدل ديموقراطية.
القصة سيطرت بطريقة شبه كاملة على وسائل الإعلام خاصة القنوات «الإخبارية» التي لم تعر اهتماما كبيرا لإطلاق النار بين الكوريتين والذي كاد أن يعيد الحياة لحرب الأشقاء الأعداء يتوسطهم حوالي ثلاثين ألف جندي أمريكي في الحديقة الخلفية للصين.
وسائل الإعلام تجندت طبعا على أساس إيديولوجي حيث حاول المحسوب منها على اليمين تضخيم القضية إلى أبعد الحدود بما في ذلك اتهام أوباما بمحاباة العرب والمسلمين، لأن الحل سهل في نظر منظري اليمين ويقتضي بسهولة وقف وتفتيش العرب والمسلمين لوحدهم «لأننا نعرف ملامحهم بل من السهل التعرف عليهم لأنهم يشبهون بعضهم بعضا» حسب تعبير كبيرهم روش ليمبو الإذاعي اليميني المعروف.
أحد المعلقين الليبراليين رد على ذلك بالقول إن الموجة الجديدة من التفتيش بدأت بعد ضلوع عبد المطلب النيجيري في العملية الفاشلة مما يعني أنه يتعين علينا إيقاف كل إفريقي بالإضافة إلى كل من له ملامح شرق أوسطية، وبما أن بعض المشتبه فيهم من أصول أندونيسية فعلينا أن نوقف كل أسيوي مما يعني أنه سيتعين علينا أن نوقف أكثر من ثلاثة أرباع سكان الكرة الأرضية.
وسائل الإعلام المحسوبة على اليسار وعلى الرغم من معاناتها من عدم التوازن في معركتها ضد مؤسسات اليمين كثيرة العدد إلا أنها حاولت التقليل من حدة المشكلة مستدلة ببعض استطلاعات الرأي التي أظهرت أن الأمريكيين منقسمون بشكل متساو تقريبا بين مؤيد ومعارض للإجراءات الجديدة.
الحادث أعطى بالفعل سمعة سيئة من جديد لصناعة استطلاعات الرأي العام التي استعادت بعضا من مصداقيتها خلال الانتخابات الأخيرة، لكنها أكدت أنها تعاني بالفعل من مشاكل بنيوية وربما حتى أيديولوجية في وقت تعتمد فيه فئة كبيرة من الجمهور على الهاتف النقال الذي حرم مستطلعي الرأي العام من أسماء وعناوين المستطلعة آراؤهم، إضافة إلى طبيعة صياغة سؤال الاستطلاع الذي قد يساعد في الوصول إلى أي نتيجة تريدها الجهة الممولة للاستطلاع.
وهكذا ظهر الأمريكيون شبه منقسمين مناصفة في حين أظهر استطلاع آخر أن نسبة الثلثين تؤيد الإجراءات الجديدة، في حين أظهر استطلاع ثالث أن أكثر من ستين في المائة تعارض الآلات الكاشفة للأجسام رفضها لأيدي المفتشين المتحسسة للأماكن والزوايا الحساسة من أجسام المسافرين.
الجهتان لم تعدما طبعا نماذج من الصور التي التقطتها كاميرات التلفزيون في مختلف المطارات المعنية والتي أظهرت عجزة يفتشون وطفلا عاريا يمرر موظف الأمن يديه على جسمه النحيف العاري.
أحد المواقع على يسار الحزب الديموقراطي وصفت حادث الطفل بالمخزي وذهبت إلى أنه لو كان معلم الطفل قد فعل ذلك لانتهى المعلم في السجن.
في أحد المطارات طلب من سيدة تلبس ثديا مستعارا خلعه أمام باقي المسافرين بعد ضياع ثديها الطبيعي بسبب السرطان، في حين أدى التفتيش اليدوي الدقيق إلى إحداث ثقب في كيس بول اصطناعي يحمله مريض آخر بالسرطان لا يستطيع التبول بطريقة طبيعية مما أشعره بخجل حتى كاد أن يموت، كما أبلغ إحدى المحطات التلفزيونية.
بعض المحللين ذهبوا إلى أن الحكومة الأمريكية الحالية كسابقاتها تخوض دائما الحروب القديمة دون السعي للتفكير بطريقة أذكى من خصومها مما يجعلها تهذر الكثير من المال والوقت فضلا عن أعصاب المسافرين في حركات مسرحية توحي بأنها توفر الأمن إلا أنها لا توفر في الحقيقة إلا انطباعا كاذبا.
ويرى هؤلاء أن وكالة أمن الطيران التي أحدثت على عجل بعد الحادي عشر من شتنبر وظفت رجالا ونساء بسوابق جنائية قد لا تسمح لهم بالعمل في باقي مصالح الحكومة الأخرى، كما أن أجورهم تضاهي أحيانا أجور موظفي مطاعم الوجبات السريعة، مما يجعل العملية برمتها مضيعة لوقت الحكومة والمسافرين وأموالهم.
ويجادل مناهضو الوكالة الأمنية الجديدة أن كل الإجراءات التي اتخذتها منذ إنشائها كانت ردود فعل متشنجة على المحاولات الفاشلة التي حاول القيام بها بعض الأفراد منذ الحادي عشر من شتنبر دون أن تنجح الوكالة نفسها في درئها.
تفتيش أو تصوير الأعضاء الداخلية للمسافرين جاء بعد محاولة عبد المطلب، لكن مسافرين عاديين هم الذين نجحوا في وقف محاولاته إشعال ملابسه الداخلية بعد أن اقتربت الطائرة من أجواء ديترويت.
المسافرون يتوجهون الآن في جميع المطارات الأمريكية حفاة عبر الحاجز الأمني بعد محاولة فاشلة أخرى لكريستوفر رييد المعروف بمقنبل الحذاء والذي حاول إشعال مواد متفجرة كانت مخبأة في حذائه الرياضي.
في مطارات أمريكا وفي كل مطارات العالم التي تتوجه منها رحلات إلى أمريكا يمنع على المسافرين عبور الحاجز الأمني بأي سائل باستثناء قدر ضئيل من الأدوية أو حليب الرضع بعد أن يوضع في وعاء بلاستيكي مستقل، جاء القرار طبعا بعد «اكتشاف» الشرطة البريطانية محاولة لتفجير الطائرات المتوجهة إلى أمريكا بمتفجرات سائلة.
أحد المعلقين ذهب إلى اتهام الوكالة بتعريض حياة المسافرين للخطر لأنها تجمعهم بأعداد كبيرة دون أحذية أو أحزمة أو أي شيء يدافعون به عن أنفسهم إذا ما قرر أحد الإرهابيين التوجه إلى المطار بحزام ناسف على متن سيارة أجرة وتفجير نفسه بين الركاب المنتظرين لأنه قد يقتل بتلك الطريقة أعدادا أكبر مما قد يفعله لو نجح في التسلل إلى أكبر الطائرات.
كما يخشى على المسافرين جوا بكثافة من تعرضهم لمختلف أنواع السرطان بسبب تعريض أجسادهم باستمرار للأشعة القوية في أجهزة المطارات هذا إذا لم يفضلوا طبعا طريقة اللمس البشري لأجسادهم لأن احتمالات الإصابة بالسرطان من تلك الأجهزة تبدو في نظر بعض الخبراء أقوى بكثير من الموت في عملية إرهابية.
بعض المنظمات الإرهابية أظهرت قدرة ملفتة على التأقلم والتفكير أسرع من بيروقراطيات المخابرات الأمريكية التي تنفق عشرات الملايير سنويا على عملياتها السرية قبل أن تنفق الحكومة مئات أخرى علنيا على إجراءات أمنية لم تفلح حتى الآن بعد انقضاء أكثر من تسع سنوات على الحادي عشر من شتنبر في الحيلولة دون وقوع عملية إرهابية واحدة.
قبل انتفاضة المسافرين الأمريكيين بسبب عملية عبد المطلب النيجيري كادت تجارة الشحن الجوي أن تتوقف نهائيا وكلفت تلك التجارة وميادين كثيرة مرتبطة بها مئات الملايير من الدولارات قبل عدة أسابيع وهنا مرة أخرى «نجحت» أجهزة الاستخبارات الأمريكية في درء المحظور بعد مكالمة من المخابرات السعودية التي أعطت نظيرتها الأمريكية حتى أرقام شحن الطرود المفخخة من اليمن.
نشطاء القاعدة في اليمن الذين يزعم أنهم وراء تلك الطرود نشروا، مؤخرا، بيانا يمعن في اهانة الحكومة الأمريكية يكشف النقاب عن شبه «فاتورة إرهابية» تبين بالأرقام أن عمليات الطرود كلفتهم 4200 دولار فقط، معربين عن استعدادهم لمواصلة حرب الاستنزاف حتى لو تم الكشف عن الطرود.
المصالح الأمنية الأمريكية لم تخف عجزها في تأمين سلامة الشحن الجوي منه أو البحري لأن تفتيش كل حاوية تأتي لأكبر سوق عالمية أمر مستحيل عمليا، لأنه لن يتطلب مئات الآلاف من العمال ومئات الملايير من الدولارات فقط بل لأنه سيصيب الحركة التجارية في مقتل.
الاتحاد الأمريكي للحقوق المدنية وهو من أعرق المنظمات الأمريكية المدافعة عن الحقوق المدنية سجل ارتفاع عدد المواطنين الأمريكيين الذين يحاولون الاستعانة بخدمات الإتحاد لرفع قضايا ضد الحكومة الفدرالية بتهم انتهاكها لحقوقهم المدنية بنسب غير مسبوقة في تاريخ الإتحاد العريق.
بعض الناشطين الحقوقيين رحبوا بحالة الغضب الجديدة، وأعربوا عن الأمل في أن يحاول الرأي العام معرفة ما تفعله الحكومة في غيابهم منذ الحادي عشر من شتنبر، نتيجة القوانين غير المسبوقة في انتهاكها لخصوصيتهم وأسرارهم وقبل بها المواطنون في أجواء الخوف من الإرهاب وتخويف السياسيين في حملات سيكولوجية ودعائية مدروسة.
حالة الغضب الشعبي ازدادت حدة بعد أن ظهر شريط فيديو على اليوتوب يظهر زعيم الأغلبية الجمهورية القادمة جون بينير يتسلل مع مرافقيه خلف الآلات وعمليات التفتيش اليدوي على الرغم من حالات الغضب الشديدة التي يظهرها رفاقه الإيديولوجيون على أمواج الأثير.
الشريط حمل وكالة أمن الطيران على الإقرار بأن الزعيم الجمهوري دخل بالفعل مطار واشنطن دون المرور كباقي المسافرين بالحاجز الأمني قبل أن تضيف بأنه ليس الوحيد في تلك الممارسة إذ يعفى من الإجراءات الأمنية زعماء الكونغرس ووزراء الحكومة.
وجود أعضاء من الكونغرس ضمن قائمة المعفيين من إجراءات التفتيش أجج حالة الغضب لأنهم على عكس الوزراء من المفترض أنهم من الشعب لأنهم يمثلونه بل أكثر من ذلك هم من وضعوا القوانين التي خلقت وكالة أمن الطيران وهم من يشرفون على عملها ويمولون نشاطها طبعا نيابة عن دافعي الضرائب.
أصدقاء إسرائيل لم يتركوا المناسبة تمر دون استغلالها إلى أقصى حد ممكن كما دأبوا على استغلال حرب أمريكا على الإرهاب بدعوى أن البلدين يواجهان عدوا واحدا وأن على الأمريكيين الاستفادة من «دروس» إسرائيل في هذا المجال بسبب خبرتها الطويلة.
المجملون لوجه إسرائيل القبيح في مجال حقوق الأقليات، وجميع المسافرين تقريبا عبر مطار بن غوريون من غير اليهود يريدون من السلطات الأمريكية الاستفادة من «المقاربة الإسرائيلية» في تأمين الملاحة الجوية.
افتتاحية في الواشنطن تايمز اليمينية أشادت بشركة العال الإسرائيلية لتبنيها «مقاربة ذكية» باستخدامها مادة استخباراتية متطورة تسمح لها بمعرفة قبلية لخطورة المسافرين من عدمها.
وبالنسبة لتجربتي شخصيا في ذلك المطار أكاد أجزم أن تطبيق جزء من  المقاربة الإسرائيلية» في المطارات الأمريكية سيتسبب في انتفاضة أسوأ بكثير مما شهدته أمريكا في الأيام القليلة الماضية.
في مطار بن غوريون عليك ان تحضر أربع ساعات قبل اقلاع طائرتك وإذا كنت تحمل اسما مشبوها كمحمد مثلا، كما حصل معي، فإنك تتعرض لاستجواب بوليسي دقيق وتفتيش لجميع الأمتعة مهما صغر حجمها وفحصها قطعة قطعة بطريقة كدت معها أن أضيع رحلتي إلى نيويورك على الرغم من أنني حضرت بخمس ساعات تقريبا قبل موعد الإقلاع.
النيويورك تايمز ذهبت إلى أن «المقاربة الإسرائيلية» ستواجه من يومها الأول حاجز الحقوق المدنية في الولايات المتحدة لاعتمادها على خطوات من بينها جمع معلومات دقيقة عن المسافر قبل وصوله إلى المطار بالإضافة إلى العراقيل العملية لأن إسرائيل لا تشرف على أكثر من مطارين اثنين في حين يطير ملايين الأمريكيين يوميا من 450 مطارا.
التركيبة السكانية للولايات المتحدة تجعل اعتماد المقاربة الإسرائيلية أمرا مستحيلا أيضا لأن الإسرائيليين يبحثون عن «الإرهابي» بتعريف مطاط في حين يبحث الأمريكيون عن الأسلحة والمتفجرات.
في فلسطين سمعت قصصا مروعة عن معاناة فلسطينيين يحمل بعضهم جوازت سفر إسرائيلية لكنهم يبقون عربا في نظر «حكومتهم» التي يبدو أنها تتعامل مع المسافرين على أسس دينية عنصرية أكثر منها أمنية.
أثناء تواجدي هناك تم استبعاد الكثير من الأوربيين بسبب خشية السلطات الإسرائيلية من نشاطهم السياسي المؤيد للفلسطينيين كما تصادف تواجدي هناك مع استبعادي المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي رغم يهوديته ورغم تقدمه في السن لكن أفكاره تشكل «خطرا» على الدولة اليهودية.
المدون الأمريكي ماثيو ايغليسياس أبلغ النيويورك تايمز أنه يفضل المرور عبر الآلات الفاضحة لجسمه على أن يمر عبر مطار بن غوريون الذي وصفه بأسوأ التجارب التي مر بها منذ مدة طويلة.
وأضاف السيد ايغليسياس الذي زار إسرائيل الشهر الماضي صحبة وفد من الصحفيين إن عمليات الاستجواب استغرقت ثلاث ساعات كاملة في حين كان
زملاؤه» المسافرون من الإسرائيليين يمرون بيسر وسهولة. كما أشار السيد ايغليسياس إلى العنت التي لاقته سيدة سوداء كانت ضمن الوفد والتي عوملت بطريقة سيئة في حين تم التعامل بطريقة جيدة للغاية مع مسافر يهودي في الوفد نفسه.
وفي الوقت الذي تبدو فيه استعارة المقاربة الإسرائيلية أمرا مستحيلا بالنسبة للأمريكيين بسبب الفرق المخيف في عدد المطارات والمسافرين والفرق الأكثر رعبا في مجال احترام حقوق المواطنين خاصة من الأقليات العرقية والدينية مازالت وكالة حماية الطيران تواجه مشكلة علاقات عامة واسعة النطاق بعد أن أصبحت عدو الشعب الأمريكي رقم واحد -حسب تعبير مشرع جمهوري.
الكثير من الدلائل تحمل على الاعتقاد بأن حكومة باراك أوباما ستحاول في المستقبل القريب إعادة النظر في الإجراءات الجديدة بعد ردة الفعل الشعبية غير المنتظرة وبعد أن حولها اليمين الجمهوري إلى قضية تتعلق بالحقوق المدنية للمواطنين.
الدليل على أن أوباما سيغير رأيه في نهاية المطاف يوجد في صلب هذه الإجراءات نفسها التي يبدو أن حكومته تبنتها بعد الانتقادات اللاذعة التي واجهتها حكومته في دجنبر الماضي بعد العملية الفاشلة في ديترويت وجاءت أيضا من الجمهوريين ولكن ساعتها كانوا يتهمونه بالفشل في حماية أمريكا والأمريكيين.
بالنسبة لأستاذ في القانون الدستوري ومنتقد قوي للانتهاكات الجسيمة التي أقدمت عليها حكومة جورج بوش الجمهورية في حق الأمريكيين يشعر الكثير من الناشطين الحقوقيين بالاستغراب من مباركة أوباما لمثل هذه الإجراءات في المقام الأول.
لكن البيت الابيض في ظل الرئيس الحالي عود أصدقاءه وخصومه على السواء على التراجع في وجه الضغط، خاصة من خصومه في الحزب الجمهوري أو من محطة فوكس اليمينية الناطقة بلسان الجمهوريين، سواء تعلق الأمر بقانون الرعاية الصحية أو قضايا الأمن القومي.
المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس وجد نفسه خلال أسبوع كامل يواجه سيلا لايرحم من الأسئلة حول أمن المطارات والمسافرين وضرورة الإجراءات الجديدة قبل أن يعلن أن «الحكومة تحاول بكل ما أوتيت إيجاد التوازن الضروري بين الأمن والخصوصية الشخصية».
لكن هناك من يخشى بأن حكومة باراك أوباما كسابقتها الجمهورية تحتكم للاعتبارات الانتخابية والسياسوية في وضعها للسياسة الأمنية بهدف الفوز بالانتخابات حتى لو كان ذلك على حساب راحة الأمريكيين أو حتى حقوقهم المدنية.
وإن لم تكن انتفاضة المطارات في أسبوع عيد الشكر كافية لفضح إفلاس الخيال الأمريكي في محاربة الإرهاب وهو الخيال الذي سحر العالم بمؤسسة هوليوود، طلعت النيويورك تايمز بقصة تبدو وكأنها مقتلعة من روايات التجسس.
الأمر يتعلق بالمفاوضات «السرية» بين الأمريكيين وبعض زعماء طالبان لا يجاد نهاية مشرفة للحرب التي بدأت للقضاء على مهد الإرهاب منذ أكثر من تسع سنوات دون أن تبدو حتى نهاية أو أمل في النصر.
من أبرز المشاركين في هذه المفاوضات أحد زعماء طالبان يدعى الملا أخطار محمد منصور كان مواظبا على الاجتماعات السرية بما فيها اجتماع مع الرئيس الافغاني حامد كارزاي.
النيويورك تايمز اكتشفت هذا الأسبوع أن «السي منصور» لم يكن السيد منصور الحقيقي وإنما كان محتالا أفغانيا أذكى من الحكومتين الأمريكية والأفغانية وحلف شمال الأطلسي الذي سهل «المفاوضات».
أحد الدبلوماسيين الغربيين قال للصحيفة الأمريكية متحسرا «أجل لم يكن الملا منصور.. واعطيناه الكثير من المال..»
قلة من الأمريكيين، لكن عددها بدأ يتزايد في المدة الأخيرة، تدعو إلى النظر في الأسباب الحقيقية لحرب أمريكا على الإرهاب وأن حلها قد يكون أقل تكلفة بكثير من نفقات حروب أمريكا الحالية.
الإحصاءات تؤكد أن احتمالات مقتل أمريكي في حادث سيارة أكثر بعشرات الآلاف من المرات من احتمال قتله في عملية إرهابية لكن حالة الهيستيريا التي تعيشها أمريكا لا تقلق راحة مواطنيها وزوارها فحسب، بل تهدد بإفلاسها ماليا وأخلاقيا.
بينجامين فرانكلين، أحد الآباء المؤسسين الكبار لأمريكا، كتب عام 1775 ناصحا واضعي الدستور الأمريكي قائلا «إن الذين يتنازلون عن جزء كبير من حريتهم مقابل الحصول على جزء ضئيل ومؤقت من الأمان، لا يستحقون حرية أو أمانا».

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى