التاريخ السري لتنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي


في 24 يناير 2007 أعلن عبد المالك دروكدال، الملقب بأبي مصعب عبد الودود، أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، عن تغيير تسمية جماعته
لكي تصبح «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي». وقد جاء تغيير تلك التسمية وإعلان الولاء لتنظيم بن لادن بعد أشهر من المفاوضات بين الجماعة السلفية وبين أبي مصعب الزرقاوي، الذي كان قد أنشأ «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين» كفرع عن القاعدة الأم، وفي 11 سبتمبر 2006 بمناسبة ذكرى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر أعلن عبد الودود عن ولائه لأسامة بن لادن.
 في 29 نوفمبر 2009 تعرض ثلاثة ناشطين يعملون في منظمة إنسانية تنحدر من إقليم كاتالونيا الإسباني للاختطاف من قبل جماعة مسلحة في جنوب شرق موريتانيا، تاركين المساعدات الإنسانية التي كانوا يحملونها معهم في الخلاء. ولم تتأخر قوات الأمن الموريتانية في الوصول إلى مسرح الحادث، ما بين العاصمة السياسية موريتانيا والعاصمة الاقتصادية نواذيبو، وبدأت عمليات البحث التي شارك فيها الجيش الموريتاني، لكن نواكشوط رفضت المساعدات التي قدمتها مدريد، وأعلن رئيسها محمد ولد عبد العزيز أن بلاده تتوفر على جميع الإمكانيات لإيجاد المختطفين، غير أن الأيام التي تلت عملية الاختطاف أظهرت عجز الأجهزة الأمنية الموريتانية عن الوصول إلى نتائج محققة، كما لم يتم التعرف على هويات المختطفين المسلحين، وأعلن وزير الداخلية الإسباني آنذاك بيريز روبالكابا أن العملية تحمل بصمات الخلية التابعة لتنظيم أسامة بن لادن، وفي 8 دجنبر تأكد الخبر وتبين أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي هو المسؤول عن العملية، وأعلن الناطق الرسمي للتنظيم المدعو صالح أبو محمد، عبر شريط فيديو بثته قناة عربية، أنه تم اختطاف أربعة أوروبيين، الإسبان الثلاثة وفرنسي واحد، وأن فرنسا وإسبانيا ستبلغان قريبا بمطالب التنظيم للإفراج عنهم. وبعد نحو أسبوع تم الإعلان عن اختطاف إيطاليين، رجل وزوجته المنحدرة من بوركينا فاصو، في جنوب شرق موريتانيا على بعد كيلومترات قليلة من الحدود مع مالي، ودخلت مدريد في مفاوضات مع نواكشوط ومالي من أجل التفاوض مع المختطفين حول الفدية المالية المطلوبة للإفراج عن المواطنين الإسبان الثلاثة، في نفس الوقت الذي أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية منع السفر إلى موريتانيا بسبب المخاطر الأمنية. ويقول مؤلف الكتاب، الصحافي والباحث الإسباني دافيد ألفارادو رواليس، إن تلك العملية فتحت أعين الحكومة والرأي العام في إسبانيا لأول مرة على التهديدات الإرهابية لتنظيم القاعدة في المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا.

القاعدة في الألفية الثالثة:
حتى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن أحد يركز على التهديدات الأمنية الناتجة عن التطرف الإسلامي في العالم، من خلال مكونه الأكثر بروزا على الساحة الدولية ممثلا في تنظيم القاعدة للسعودي أسامة بن لادن، المطلوب رقم واحد في مختلف بقاع العالم.
يعود دافيد ألفارادو إلى الأصول الأولى لتنظيم القاعدة قبل ظهوره في الساحة العالمية. في عام 1979 عندما قامت الثورة الإسلامية في إيران التي رفع لواءها الشيعة وجدت المملكة العربية السعودية نفسها أمام الخطر الدائم، وفكرت في وضع استراتيجية دينية جديدة ترتكز على تقوية التيار السني في المنطقة، مقدمة نفسها على أساس أنها خادمة للحرمين الشريفين، مكة والمدينة، خصوصا أنها لم تكن تواجه فقط الثورة الدينية في إيران، بل أيضا ـ كما يقول المؤلف ـ مجموعة من البلدان العربية ذات الاتجاه العلماني مثل سوريا والعراق وتركيا وتونس والجزائر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية. ولتحقيق هذا الهدف عملت السلطات السعودية، مدعومة بالثروة النفطية، على منح المساعدات المالية على الصعيد الدولي، لتسجيل حضور أكبر على الساحة العالمية والعربية الإسلامية. وفي نفس تلك السنة التي قامت فيها الثورة الإيرانية غزت القوات السوفياتية أفغانستان، وتقاطر الآلاف من المتطوعين من العالم العربي والإسلامي لقتال الجيش الأحمر، حيث تمكنوا طيلة عشر سنوات، من الغزو إلى خروج الروس عام 1989، من الحصول على تكوين عسكري في مجال استعمال الأسلحة والمتفجرات وحرب العصابات، وأيضا في التكوين الإيديولوجي السلفي، وكان بين هؤلاء أسامة بن لادن الذي استطاع، بفضل من الدعم المالي السخي للبلدان العربية والولايات المتحدة، إنشاء «مكتب الخدمات» المكلف بتجنيد المتطوعين وتدريبهم للقتال إلى جانب المجاهدين الإفغان، وهو المكتب الذي تحول إلى تنظيم «قاعدة الجهاد» التي سيصبح القاعدة فيما بعد. وعندما انتهت الحرب بعد خروج الجيش الروس عاد أولئك المتطوعون إلى بلدانهم، وكان بينهم بن لادن الذي رجع إلى السعودية عام 1990، وهي السنة التي شهدت غزو صدام حسين للكويت، مما شكل تهديدا صريحا للنظام السعودي. وأمام تلك التهديدات عرض بن لادن على الملك فهد بن عبد العزيز أن يسلمه المجاهدين الذين معه لمقاتلة الجيش العراقي، لكن الملك السعودي رفض العرض وسحب الجنسية من لادن الذي اضطر إلى مغادرة بلاده، حيث لجأ إلى السودان وفيما بعد إلى أفغانستان. وقد شكل نجاح طالبان عام 1994 في الوصول إلى الحكم في تكثيف المجندين المتطوعين للجهاد، وخلال الفترة ما بين 1995 و2001 حصل حوالي عشرون ألف مجند على التكوين العسكري والإيديولوجي في المعسكرات التابعة لتنظيم القاعدة في أفغانستان، وتفرق هؤلاء المجاهدون الجدد بين أفغانستان، حيث فضل البعض البقاء للقتال إلى جانب طالبان، وأوروبا حيث اختار البعض الرحيل.

 العراق: نهاية القاعدة؟
بالنسبة لمؤلف الكتاب فإن الضربات التي تلقاها تنظيم القاعدة لأسامة بن لادن في أفغانستان بعد غزو القوات الأمريكية إثر تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر قد ألحقت ضررا كبيرا بقوته وقضت على الكثير من قياداته العسكرية، لكن الغزو العسكري الأمريكي للعراق عام 2003 ضخ دماء جديدة في هذا التنظيم المسلح الذي استعاد عافيته ووجد مجالا أوسع للتحرك. ويرى المؤلف أن واحدة من علامات هذه العافية هي إنشاء تنظيم صغير تابع للتنظيم الرئيس هو جماعة التوحيد والجهاد التي كان على رأسها أبو مصعب الزرقاوي، وشكلت النجاحات العسكرية التي حققها هذا التنظيم في صفوف القوات الأمريكية نموذجا يحتذى بالنسبة للعديد من المجاهدين في مناطق أخرى. ويقول المؤلف إن تنظيم القاعدة انتقل من بنية هرمية ممركزة إلى مصدر إلهام لمجموعات كبيرة أو صغيرة في مختلف المناطق تقوم بعمليات جهادية باسم الإسلام، وإن غالبية هذه المجموعات تتصرف بعيدا عن القاعدة الأم لأسامة لادن.
غير أن العمليات العسكرية والاستخبارية ضد التنظيم حدت نسبيا من قدرتها على توجيه ضرباتها وأشاعت مناخا من الارتياح في الأوساط الغربية. وفي 30 ماي 2008 أعلن مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مايكل هايدن أن شبكة أسامة بن لادن فقدت المبادرة في العراق والعربية السعودية وأنها توجد في موقع الدفاع عن النفس في عدد من المناطق الأخرى، وبدأ الخبراء في الإرهاب في الغرب يتسابقون على شرح وتفسير أسباب تراجع التنظيم وأدائه الإرهابي، ومن ضمن تلك الأسباب التي يسوقها البعض أن تنظيم القاعدة يفتقد إلى القيادة المركزية، حيث إنه تحول إلى تنظيم مشتت يمكن لأي شخص أن ينسب نفسه إليه، وهو ما أطلقوا عليه تسمية «الجهاد دون زعامة». وعلاوة على هذا السبب هناك أيضا سبب آخر وهو غياب المشروع السياسي لدى التنظيم، الأمر الذي أفقد هذا الأخير أي قدرة على التجذر والانتشار في أوساط العالم الإسلامي، بل إن الراي العام في البلدان العربية والإسلامية بدأ يسجل نوعا من الابتعاد عن القاعدة، وتراجع الإعجاب الذي انتشر في البداية، خصوصا وأن ضحايا التنظيم أصبحوا من المسلمين أنفسهم وليس من الأجانب الذين يعتبرهم التنظيم كفارا يتوجب قتالهم.

القاعدة والتحول في المغرب الإسلامي:
في 24 يناير 2007 أعلن عبد المالك دروكدال، الملقب بأبي مصعب عبد الودود، أمير الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، عن تغيير تسمية جماعته لكي تصبح «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، وقد جاء تغيير تلك التسمية وإعلان الولاء لتنظيم بن لادن بعد أشهر من المفاوضات بين الجماعة السلفية وبين أبي مصعب الزرقاوي الذي كان قد أنشأ «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين» كفرع عن القاعدة الأم، وفي 11 سبتمبر 2006 بمناسبة ذكرى تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر أعلن عبد الودود عن ولائه لأسامة بن لادن.
ويرى المؤلف أن الأمر يتجاوز مجرد تغيير الاسم ويرتبط بتحولات سياسية وإيديولوجية وبنيوية بالنسبة للجماعة السلفية للدعوة والقتال، وكذا في طريقة أدائها العسكري. لقد بدأ هذا التنظيم يعلن بأن عملياته تتجاوز الحدود الجزائرية إلى المنطقة بكاملها، للجهاد ضد الأنظمة الموالية للكفار والمشركين المتعاونة مع الأنظمة الغربية، وهذا يعني أنه أخذ بعدا عالميا وأعطى لنفسه حضورا أوسع، وهو ما أتاح في نفس الوقت لأسامة بن لادن توسيع تأثيره بشكل أكبر في منطقة أخرى من العالم الإسلامي لم يكن من قبل حاضرا فيها، كما سمح ذلك للتنظيمات الجهادية في الجزائر وتونس والمغرب بالحصول على إشعاع أكبر ومنحها مساحة للظهور على الجبهة الدولية، وشكلت تفجيرات أبريل عام 2007 في الجزائر والدار البيضاء أول مظهر للارتباط بين تلك التنظيمات الإرهابية تحت قيادة دروكدال.

طبيعة  العلاقة بين القاعدة والبوليساريو:
ترجع البدايات الأولى للعلاقة بين شباب جبهة البوليساريو، التي تشكلت عام 1973 للقتال ضد الاحتلال الإسباني للصحراء ثم تحولت إلى الحرب ضد المغرب منذ 1975، وبين التطرف الديني إلى نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي. في تلك الفترة سافر الآلاف من الصحراويين المقيمين في مخيمات تيندوف إلى شمال الجزائر والعاصمة الجزائر ووهران للدراسة في جامعاتها، وهناك بدؤوا الاحتكاك بأتباع الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية التي بدأت خلال تلك الفترة في تأكيد حضورها في مختلف جامعات البلاد. وقد تشرب الصحراويون القادمون من تيندوف الأفكار السلفية المتطرفة، وعندما عادوا إلى المخيمات حملوا معهم قناعاتهم الجديدة التي أخذوا في نشرها. وزيادة على ذلك الاحتكاك، كان هناك تواصل مستمر بين مقاتلي جبهة البوليساريو ومقاتلي الجيش الإسلامي للإنقاذ الذي خرج من معطف الجبهة الإسلامية للإنقاذ في بداية التسعينات من القرن الماضي بعد انقلاب الجيش الجزائري على نتائخ الانتخابات البلدية عام 1991، وقد شكل الموقع الجغرافي لمخيمات تيندوف حيث تعلن البوليساريو ما يسمى بـ«الجمهورية الصحراوية العربية الديمقراطية» نقطة مهمة سهلت الاتصال بين المتطرفين الجزائريين وبين البوليساريو، أولا عبر الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وفيما بعد عبر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.
وتؤكد العديد من المعطيات والوقائع العلاقة المعقدة بين جبهة البوليساريو والتنظيمات الإرهابية المسلحة في الجزائر. ففي عام 1994 عندما كانت الحرب الأهلية الجزائرية في أوجها كشفت الأجهزة الأمنية الجزائرية لدى مقاتلي الجيش الإسلامي للإنقاذ عتادا عسكريا كان الجيش الجزائري قد منحه مساعدة لجبهة البوليساريو من قبل، وكان ذلك هو الخيط الذي كشف وجود علاقة تعاون وتنسيق بين الطرفين. وقبل ذلك في سبتمبر من عام 2003 اعتقلت السلطات الموريتانية عضوا في جبهة البوليساريو يدعى بابا ولد محمد باجيلي عندما كان يهم بسرقة عتاد عسكري من الشركة الموريتانية للصناعات المعدنية، وفي أبريل عام 2004 فككت أجهزة الأمن الموريتانية شبكة يرأسها شخص ينتمي إلى جبهة البوليساريو كان يعمل على نقل المتطوعين في الجماعة السلفية للدعوة والقتال للتدريب العسكري في جنوب مالي، وبين 2005 و2008 اعتقلت السلطات الموريتانية العديد من العناصر التابعة للبوليساريو بسبب بارتباطها بتنظيمات إرهابية أو شبكات تعمل على تجنيد المتطوعين للقتال في صفوف الجماعة السلفية، وفي 22 دجنبر 2005 اعتقلت السلطات المغربية قرب مدينة العيون صحراويا يحمل معه ثلاث بنادق، سبق له أن عاش طويلا في مخيمات تيندوف، وهو الأمر الذي أثار نقاشا في المغرب لأول مرة حول احتمال وجود ارتباطات بين جبهة البوليساريو والجماعة السلفية للدعوة والقتال.
إدريس الكنبوري 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

 
إلى الأعلى